الشيخ المحمودي

236

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

وعبيده . فان قيل : لا شئ للانسان حتى يعده من مفاخره ويعظم في عينه ، ويحسبه في نفسه عظيما ، فالعجب بماذا ؟ فإن كان بلحاظ كونه ذا بسطة في العلم والجسم والقوة والادراك وما يرتبط بجهات خلقه من النعم التي أنعم الله عليه بها ابتداء ، من غير سبق عمل للمكلف ، ليتوهم انه أنعمها عليه جزاء لعمله ، فلا ينبغي للعاقل ان يعجب بها ، فإنها لم تكن لعظمته واستحقاقه ليتبجح بها ويعدها من مفاخره . وإن كان عجب الشخص لأجل أعماله وما كسبت يداه فالامر كذلك ، لان الشخص بجميع خصوصياته ومنها علمه الكسبي وقدرته وارادته ملك لله ، فبأي شئ يتبختر الانسان ويزهو ؟ قلنا : كل حيوان - بطبعه الأولي وجبلته غير المنحرفة عن مجراها - يعلم أنه مختار في أكله وشربه وقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه وفراغه وشغله ، ويجد من نفسه انه إن أتى بشئ مما ذكر ونحوه فإنه يأتيه بإرادة واختيار ، وان تركه يتركه اختيارا ، ويفرق بفطرته بين اخذه اللقمة ووضعه بيده في فمه ، وبين ما لو وجئ الغذاء في حلقه ، ويميز بين نزوله شخصا من السطح ، وبين ما يوثق ويرمي به من السطح ، وكل أحد يعرف ان الحيوان إذا جئ به إلى شفا نهر فان أمكنه الوثوب والعبور يثب ويعبر ، وإلا فلا ، وأن الأسد والهرة إذا شاهدا الصيد واللحم فإن لم يريا مزاحما ومدافعا يتوثبان عليه ، والا يفران أو ينتظران ارتفاع المزاحم ، وهكذا جميع الحيوانات ، هذا هو مقتضى الفطرة ، وإنما يعدل عنها لأجل ان بطانة الانسان أو أبواه يشعرانه ويجبرانه أو يفوضانه ، فمهما شك في شئ فلا ينبغي الشك في أن إعمال القدرة وصرف الاختيار والإرادة بيد الانسان فعلا وتركا ، وبأعمال القدرة والاختيار في الطاعات يستحق الثواب ، وبصرفهما في المعاصي يستحق